احتفلت جامعة الروح القدس – الكسليك بإطلاق الفيلم الوثائقيّ بعنوان: "أرز الربّ"، من إعداد واخراج الأب جوني سابا ر.ل.م..
وفي أجواء مفعمة بالفخر الوطنّي والإرث الثقافيّ العريق، شهد الاحتفال حضورًا كثيفًا من الشخصيات الرسمية، كان من أبرزهم ممثل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وزير الصناعة جو عيسى الخوري، الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأب العام هادي محفوظ، وأعضاء مجلس المدبرين في الرهبانية، وممثل رئيس الجامعة الأب طلال هاشم، نائبه الأول الأب كرم رزق، بالإضافة إلى عدد من النواب والشخصيات السياسية، الروحية، العسكرية، الدبلوماسية، النقابية، القضائية، الإعلامية، التربوية والفنية، وعائلة الأب جوني سابا وأصدقائه.
ويشكّل الفيلم رحلة بصرية وتأملية في عمق التاريخ اللبنانيّ، حيث يحكي عن الهوية والإيمان والانتماء، مسلّطًا الضوء على أهمية شجرة الأرز ورمزيتها في التراثين الدينيّ والأدبيّ، فضلًا عن بعدها البيئيّ.
وفيلم "أرز الرب" ليس مجرد وثائقيّ، بل هو شهادة على علاقة الإنسان بالأرز وإرث لا يندثر.
وافتُتح الاحتفال بالنشيد الوطنيّ اللبنانيّ، عزفته موسيقى قوى الأمن الداخلي بقيادة العقيد أنطوان طعمة، وهي أعرق أوركسترا عسكرية في العالم العربي (تأسست في عام 1861).
ثم ألقت الإعلامية لور سليمان الكلمة الافتتاحية، معتبرةً أنّ "الأرزة هي رمز عميق في التاريخ اللبنانيّ، فهي تجسد الصمود والتاريخ ورسالة لبنان إلى العالم. من جذورها العميقة في الأرض إلى أغصانها التي تعانق السماء، تبقى الأرزة شاهدًا على مجد لبنان وروح شعبه الذي صمد أمام التحديات. اليوم، نطلق فيلمًا وثائقيًا يستعرض مكانة أرز الرب في الحضارات والدين والفن والسياحة، ويتأمل في معانيه العميقة التي تتجاوز الجغرافيا لتلامس الروح والهُوية اللبنانية."
ثم بدأ برنامج الاحتفال، الذي تميّز بمحطات غنية وقيّمة.
فانطلقت عروض لمقاطع من الفيلم، استعرضت في ستة أقسام ملحمة غلغامش والكتاب المقدس وعلاقتهما بأرز الرب، حضور الأرز في الأدب والفن، رموز الأرزة، والسياحة ومهرجانات الأرز. وبين العرض والآخر، ألقيت مداخلات ثقافية تناولت مكانة الأرز في التاريخ، حيث سرد الدكتور بول زغيب رواية تاريخية للأرز، نقلت الحضور إلى بداية الخلق، في حين استعرض الإعلامي يزبك وهبة رمزية الأرزة ودلالاتها في الهوية اللبنانية.
وبقصيدة شعرية مستوحاة من شموخ الأرزة صدح صوت الشاعر رودي رحمة.
وهو الفنان التشكيلي الذي أبدع في نحت بعض الأشجار اليابسة، فغدت تحفًا فنية مزروعة في أرض الغابة، تحاكي بجمالها السماء وتبتهل لخلاص لبنان. كما كانت كلمة للفنان غدي الرحباني الذي تحدث عن أرز الرب في الذاكرة الرحبانية، فمع الفن الرحباني قصة عشق في أرز الرب، حيث غنّت السيدة فيروز في مهرجانات الأرز مع الأخوين الرحباني، فركعت الأرزات خشوعًا.
ورافق الحدث أداء غنائي مميز للمرنّمة كارلا رميا، التي أدّت ترنيمة "إرتفعت كالأرز في لبنان"، نصّها من سفر يشوع بن سيراخ (٢٤: ١٧-٣٢) وألحانها للراهب اللبناني الماروني الأب أنطوان طحان. كما أنشدت باقة من الأغاني الوطنية التي تكرّس مكانة الأرز في وجدان اللبنانيين، وقد رافقتها عزفًا موسيقى قوى الأمن الداخلي.
ووجّه الأب جوني سابا تحية تقدير لكل الحاضرين، من قادة وصناع قرار، مفكرين وفنانين، عاملين ومبادرين، مؤكدًا أن "ما يجمعنا اليوم هو الإيمان بمسؤوليتنا تجاه الإنسان والوطن".
وقال: "لماذا وثائقي "أرز الرب"؟ بدأت تصوير هذا الوثائقي في أوائل عام 2019، وكان الحلم أن يُعرض في عيد الاستقلال 2020، تزامنًا مع مرور مئة عام على تأسيس لبنان الكبير (1920-2020). قطعت شوطًا كبيرًا في التصوير، لكن العالم كان على موعد مع جائحة كورونا في أواخر 2019، بالإضافة إلى الصعوبات التي عانى منها لبنان في السنوات الأخيرة: ثورة، وباء، انفجار، أزمة اقتصادية، وحرب دموية..."
وأضاف: "بطبيعة الحال، توقف إنتاج هذا الفيلم، وبقي حبيسًا في الاستوديو، فوجدت نفسي أمام خيارين: إما أن أتابع المسيرة رغم كل العوائق، أو أضغط على زر الحذف، لأجعله مجرد حلم لم يتحقق. لكن الله، يعمل بطرق تفوق فهمنا البشري، فتدخل، ليمنح هذا الوثائقي معنى جديدًا، ورسالة تتجاوز حدود الزمن. وهكذا، بدلًا من أن يكون وثائقي "أرز الرب"، مجرد توثيق لمئة عام مضت، أصبح شاهدًا، على انطلاقة مئة عام مقبلة، على ولادة لبنان المتجدد، وها هو اليوم، ينفض غبار الأزمات، ويقوم من رماده، كما طائر الفينيق، ليسير مع "حجاج الرجاء"، معلنًا قيام لبنان جديد، تسوده العدالة، ويحكمه الحق".
وعبّر عن امتنانه العميق لكل من ساهم في إنتاج فيلم "أرز الرب"، سواء كان عبر العمل المباشر أو الدعم الصامت.
وشكر الحضور المتنوع من مختلف الطوائف والقرى اللبنانية، مؤكدًا أنّ مشاركتهم تعكس تأثير الفيلم ورسالة الأرز في قلوبهم. كما وجه الشكر الخاص لـ "لجنة أصدقاء غابة الأرز" على جهودها المستمرة في حماية هذا الرمز الوطني، إضافة إلى المتحدثين من شخصيات بارزة في مجالات الإعلام والعلوم والفن.
كما شكر الرهبانية اللبنانية المارونية، وخاصة الرهبان الذين ساهموا في إثراء الوثائقي، مع شكر خاص لجامعة الروح القدس - الكسليك على تنظيم الحفل، ولقدس الأب العام هادي محفوظ لدعمه الأبوي وتشجيعه وحضوره.
ورأى أنّ "أرز الرب"، ناطور لبنان، وحارس وحدته، واقف كالأب، شامخ كالصلاة، لا يفرق بين من يصلي في الكنيسة، أو من يرفع الآذان في المسجد. فجذوره، ضاربة في أرض واحدة، وظله يسع الجميع. هو الأرز الشاهد على تاريخ لبنان، الناطور الذي لا ينام، يحرس الجبل والوادي، ويجمع أبناؤه تحت أغصانه، مهما فرقتهم الأيام. وكما يبقى الأرز صامدًا في وجه العواصف، يبقى لبنان بوحدته، أقوى من كل رياح الزمن".
ثم قدّم الأب سابا هدايا تذكارية عبارة عن أرزة لبنان المصنوعة من خشب الأرز، لكل من المتحدثين في الحفل وللأب العام محفوظ.
وتوجّه الأب العام إلى الحضور بكلمة عفوية عبّر فيها عن فخره الكبير بهذا الحدث البارز، مردّدًا قول الشاعر رودي رحمة: "إن أجدادنا مسرورون بهذا الاحتفال اليوم". وأضاف: "في هذا الاحتفال، تجلى الرقي في تنظيمه، من كلمات المتحدثين إلى الإنشاد والعزف وحضوركم الكريم. وهو بمثابة تكريم لما تمثله رهبانيتنا من قيمة كبيرة، فهي الرهبانية الوحيدة التي تحمل اسم وطنها في اسمها. كما تعلمون، جامعة الروح القدس - الكسليك، ابنة الرهبانية اللبنانية المارونية، هي جزء لا يتجزأ من الوجدان اللبناني".
ثم وجه تحية خاصة إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، من خلال ممثله في الحفل، الوزير جو عيسى الخوري، قائلًا: "إنه كأرزة من أرز لبنان، من خلال قامته ومبادئه وأعماله ومسيرته، ومعه سنستشرف المستقبل".
وأضاف: "نحن فخورون بهذا الاحتفال الذي يعكس الدم الذي يجري في عروقنا في الرهبانية اللبنانية المارونية، ويجسد حبنا العميق للبنان."
ختامًا، شكرت الإعلامية لور سليمان جميع المشاركين، مشددةً على أن هذا الفيلم هو دعوة مفتوحة للجميع وخصوصًا للأجيال القادمة، للحفاظ على هذا الرمز الوطني الذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من الهوية اللبنانية.